الشيخ محمد هادي معرفة
378
التفسير الأثرى الجامع
فمن ذا الّذي يودّ أن تكون له هذه الجنّة - أو هذه الحسنة - ثمّ يرسل عليه شواظا من نار المنّ والأذى ، ليمحقها محقا ، كما يمحق الجنّة الإعصار فيه نار . . . ومتى ؟ في أشدّ ساعاته عجزا عن إنقاذها ، وحاجة إلى ظلّها ونعمائها ! وَأَصابَهُ الْكِبَرُ التطاعن في السنّ . وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ صغار قصّر ، يعجزون عن مساعدته على الإنقاذ . فَأَصابَها إِعْصارٌ زوبعة ، وهي ريح شديدة تقلع الشجر والنبات . فِيهِ نارٌ حرارة شديدة . وهي المسمّاة عندهم بريح السموم . فَاحْتَرَقَتْ الجنّة بكاملتها ، وانقلبت تلّ رماد . وهذه غاية اليأس بعد الأمل . وبعد ، فمن ذا الّذي يودّ هذا ؟ ! ومن ذا الّذي يفكّر في مثل هذا المصير ، ثمّ لا يتّقيه ؟ ! كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ دلائله الواضحات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ في اتّخاذ السبيل ؛ إمّا راشدا مرضيّا ، يعيش في سعادة وهناء ، أو خائبا تائها في حسراته آيسا من الحياة . قوله تعالى : فَأَصابَها إِعْصارٌ [ 2 / 7681 ] أخرج الطستي في مسائله عن ابن عبّاس ، أنّ نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى : إِعْصارٌ قال : الريح الشديدة . قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم أما سمعت قول الشاعر : فله في آثارهنّ خوار * وحفيف ، كأنّه إعصار « 1 » [ 2 / 7682 ] وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصحّحه من طرق ، عن ابن عبّاس في قوله : إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ قال : ريح فيها سموم شديدة « 2 » . وهكذا روي عن قتادة « 3 » . [ 2 / 7683 ] ومن الغريب ما روي عن الضحّاك : فسّر الإعصار بريح فيها برد « 4 » .
--> ( 1 ) الدرّ 2 : 49 . والحفيف : صوت يخرج من الحيّة أو الشجرة . ( 2 ) الدرّ 2 : 49 ؛ أبو يعلى 5 : 73 / 2666 ، بلفظ : « قال : الإعصار الريح الشديد » ؛ الطبري 3 : 109 / 4782 ؛ ابن أبي حاتم 2 : 524 / 2781 ، وزاد : وروي عن السدّي ومجاهد والربيع بن أنس نحو ذلك ؛ الحاكم 2 : 283 ، كتاب التفسير ؛ القرطبي 3 : 319 ؛ مجمع الزوائد 6 : 323 ، كتاب التفسير . ( 3 ) الطبري 3 : 110 / 4787 ؛ عبد الرزّاق 1 : 370 / 342 . ( 4 ) الطبري 3 : 110 / 4791 .